القاضي عبد الجبار الهمذاني

245

شرح الأصول الخمسة

حقيقة الكسب : اعلم ، أن الكسب كل فعل يستجلب به نفع ، أو يستدفع به ضرر . يدلك على ذلك ، هو أن العرب إذا اعتقدوا في فعل أنه يستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر سموه كسبا ، ولهذا سموا هذه الحرف مكاسب ، والمتحرف بها كاسبا ، والجوارح من الطير كواسب . ومتى قيل إن هذه حقيقة الكسب من طريق العربية ، وليس الكلام إلا في الكسب الاصطلاحي ، قلنا : الاصطلاح على ما لا يعقل غير ممكن ، لأن الشيء يعقل معناه أولا ، ثم إن لم يوجد له اسم في اللغة يصطلح عليه ، فأما والمعنى لم يثبت بعد ولم يعقل فلا وجه للاصطلاح عليه . وأيضا فلا بد من أن يكون للاصطلاح شبه بأصل الوضع ، ما يقوله مخالفونا لا شبه له بأصل الوضع . إذا ثبت هذا ، عدنا إلى الكلام على إفساد هذه المذاهب . فأما مذهب جهم ، فقد دخل فساده تحت ما تقدم . وأما الكلام على القائلين بالكسب ، فالأصل في أن تعلم أن فساد المذهب قد يكون بأحد طريقين : أحدهما : بأن تبين فساده بالدلالة . والثاني : بأن تبين أنه غير معقول في نفسه . وإذا ثبت أنه غير معقول في نفسه كفيت نفسك مئونة الكلام عليه ، لأن الكلام على ما لا يعقل لا يمكن . وهذه الطريق هي التي سلكناها في فساد القول بالطبع والقول بالتثليث ، فقلنا للطبيعيين : إن مذهبكم في الطبع غير معقول ، وقلنا للنصارى : إن اعتقاد واحد ثلاثة مما لا يمكن ، ومذهبكم في ذلك مما لا يعقل ، والكلام عليه مما لا وجه له ، وبهذه الطريق يفسد القول بالكسب ، فإن ذلك غير معقول كما عددناه من المذاهب . والذي يبين لك صحة ما نقوله ، أنه لو كان معقولا لكان يجب أن يعقله مخالفو المجبرة في ذلك ، من الزيدية ، والمعتزلة ، والخوارج ، والإمامية ، والمعلوم أنهم لا يعقلونه . فلو لا أنه غير معقول في نفسه ، وإلا كان يجب أن يعقله هؤلاء ، فإن دواعيهم متوفرة ، وحرصهم شديد في البحث عن هذا المعنى ، فلما لم يوجد في واحد من هذه الطوائف على اختلاف مذاهبهم ، وتنائي ديارهم ، وتباعد أوطانهم ، وطول مجادلتهم في هذه المسألة من ادعى أنه عقل هذا المعنى أو ظنه أو توهمه ، دل على أن ذلك مما لا